الخميس، يناير 01، 2015

A Message in A Bottle 9

عزيزي نادر..
نعم انا من أولئك الذين يملون الروتين، ولا اكتب لك بدافع العادة في مناسبات بعينها، فلنقل يصدف أن لدي دومًا صخب داخلي لا يهدأ، فلنقل ان جعبتي من الحكايا لم تفرغ بعد، فلنقل أن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تجعلني أتذكر لاحقًا كل شئ، ولا أبالغ لو قلت أن ذاكرتي تتدهور بالفعل، رفيقتي بالغرفة مثلًا والتي لم أعرفها قبل ثلاثة شهور ماضية باتت تعرف تمامًا حقيقة الأمر، ألمح هذا في ابتسامتها حين أقص عليها كل يوم عصرًا أن إحدي زميلاتنا والتي بالطبع لا أذكر من هي قالت كذ، لأكتشف بعد ابتسامتها أنها هي بالتحديد من قالت لي ذات الكلام في صبيحة اليوم نفسه! لذلك حين اكتب هنا أو أستحضرك فأنا أفعل ذذلك كي لا تنضم إلى قائمة لا يمكن حصرها بهولة من المنسيات، لا أريد ذلك أبدًا! 
لا أريد حتى أن أتمتم بقول درويش:"“حين ينتهي الحُب , أَدرك انه لم يكن حُباً
الحبّ لا بد أن يُعاش , لا أن يُتذَكر!” 
لقد كان العام الماضي عجيبًا، ويبدو أنني في كل عام أستخدم ذات الوصف، وفي كل مرة أعني تمامًا ما أقول، مرت الكثير من الأوقات الصعبة، والمشاعر المتناقضة، وحدث الكثير، هذا غلى حد كبير عام من الانجازات التي لا أقف عندها، وأيضًا هو عام من إخفاقات أخرى، فالحياة كما تعرف تحتمل كل الأوجه، لكننا البشر ندرك أحد اوجهها فقط، ذلك الذي يترك أثرًا أعمق في نفوسنا، لااذكر الكثير من ايها، ربما لأنني أركز انتباهي في اللحظة الراهنة والمستقبل أيضًا، منذ قليل كنت أخطر في الممرالطويل الذي يفصل بين غرفتي والمطبخ والحمام، كنت أرتدي ذات الحذاء الذي اقتنيته لي أمي قبل سفرنا مباشرة للساحل الشمالي في الصيف الماضي، لم أكن أفكر وقتها في أنني في إجازة من كل شئ، إجازة استجمام لأعود بعدها للتخبط المعتاد،حتى جاءتني مكالمة هاتفية وأنا هناك في منتصف الإجازة تمامًا لتنبأني بأن عليّ اجتياز امتحان ما في منحة قدمت لها، كنت سعيدة انني سأنتقل لمرحلة جديدة في الاختبارات، وقتها كان يعني هذا أن فرصتي في نيل المنحة تزداد يومًا بعد يوم، الحقيقة أنا لم أشك في هذا لحظة واحدة، شكي الأكبر كان هل سأقدم على الخطوة أم لا!، لأنني كنت أعرف تمامًا أنني من النو الذي لا يتراجع بسهولة عن أي مسار يمشيه، ليست تفصيلة الحذاء هي التفصيلة الوحيدة اليت نبهتني أن ذاكرتي تعمل بشكل عجيب، أمس كنت أؤدي اختبارين قدمت ليهما بكامل اراداتي ولفتح طريق جديد موازٍ لطرقي الحالية، البعض يظن انني مجنونة بسلوك اكثر من طريق مهني في ذات الوقت، ولكن الحقيقة انني أعرف جيدًا أن الانشغال الدائم أفضل كثيرًا من الفراغ القاتل، الفراغ الذي يمكن أن يقتلني فقط من التفكير في احتمالات لن تؤدي إلى اي شئ سوى هلاكي، المهم أنهيت مهمة القراءة في الاختبار وكان عليّ كالعادة انتظار انتهاء الوقت لتسلم المهمة الباقية الأخيرة، نصحتني المراقبة الملولة كمثلي، بمراجة اجاباتي، وأنبأتها ألا حاجة لذلك فقد خضعت لذات الاختبار منذ ثلاثة أشهر مضت، لم تعلق هي، لكنني كنت اعرف أنها ظنت، كما ظننت أنني اخفقت في المرة الأولي، لكن الحقيقة هي أنني اجتزت الاختبار لكن نتيجتي لا يمكن استخدامها ثانية، المهم جلست أتأمل حولي كل شئ، بداية من المراقبة والتي سبق أن وصفتها بالملولة، لأنها كانت تشغل نفسها بأي شئ عدا الجلوس على كرسيها، كانت مثلًا تبري كل الأقلام الرصاص التي يستخدمها الممتجنين وأنا منهم، هي ليست مطالبة بفل ذلك، لكنها لا تطيق ألا تفل شيئًا سوى التحديق في الآخرين، وبعدها انتقلت لما يبدو عاديًا في الغرفة، الحاسب وشاشته، التي تحمل ملصقًا يشير للمعونة الأمريكية ،ابتسمت حين لمحته، فقد كانت أول مرة لمحته في أول زيارة لي للجامة الأمريكية منذ سنوات ، وكان رد فعلي حينها هو أنه حتمًا هنالك أمور أهم من بعض اللوجيست لصرف الأموال، وتحدثت مع أبي بالأمر وقال ان الأمر أكبر من ذلك بكثير، كان هذا قبل الثورة بسنة تقريبًا، حتى كانت تلك الفترة العجيبة التي كنا جميعًا كمصريين نذم المعونة الأمريكية ولانكترث لها أصلًا بل ونتنازل عنها دون قيم اخرى أكثر أهمية كالحرية ربما ليست موجودة في هذا العالم، كانت ابتسامتي من سخرية الموقف لأنني الآن أحد المستفيدين منها، الأمر الذي لم أنتبه له لأول مرة إلا أول أيام السكن الجامعي حين أطلعتنا رقية الفتاة الفلسطينية القائمة لى شئون الطالبات في السكن بأنها لن تقبل يومًا منحة مماثلة لأسباب كثيرة قيمية في الأساس، لم تمر عليها لكنها كانت مفهومة ضمنًا، كل هذا دار بخلدي من مجرد لمح لاصقة بسيطة! ربما لأنني أعرف أن كل يوم يمر أكون فيه أقرب للسفر، رغم أنه لازال هنالك الكثير من الوقت، والعجيب أنني لا أخاف الأمر هذه المرة، لقد أقدمت على ذات الخطوة بعد الثورة، ولكنها لم تتم لأسباب أكبر مني، لكن مجرد فكرة الابتعاد عمن أحب وقتها كانت قاتلة، لم أستطع مواجهتها، كنت أشعر بالبرد يغزوني، وأستشعر الدفء من وجود أحبتي حولي، أذكر يومها لم يرد لى مهاتفاتي أحد ممن طلبت، لم يطمأني أحد، ولم تتم المحاولة، بينما الآن كلهم يدعمون خطوتي تلك ويباركونها، ولا أستشعر البرد، لااهابه، ولاأتوقعه، أليس هذا عجيبًا؟
ربما أنا نضجت قليلًا عن ذي قبل، ربما كل ما مررت به جعلتي أرى الأمور من زوايا أخرى، ربما بت أجيد خداع نفسي، أو ربما بت أحادثها بلغة مختلفة، ربما.. لكن شيئًا ما حدث لوعيي بكل شئ، في لقائي بصديقة لي في سيتي ستارز كنت اذكر لها شيئًا وأنني نسيته بالبيت وصححت لنفسي في لحظتها، بت أسميه البيت، وفي إجازة نهاية الأسبوع الماضي في زياتي الخاطفة لبلدتي وبيتي وأهلي، لم اشعر بالحنين لأيهم، ربما لأنهم بالقرب مني دومًا، ربما لأنهم في قلبي، لم أتعجب منزلنا وترتيب الأشياء فيه، ربما لاحظت زحامه أكثر، أنا التي جلست ثلث ساعة كاملة بعد تأملي للمراقبة اتأمل العداد الرقمي، لم يلفت انتباهي شئ سوى ذلك الجزء المخصص للأرقام دون الثانية، كنت ألاحظ مرورها، ثلاث خانات، واحدة لحظت انها تتحرك ويمكنني ملاحظة كل الأرقام وهي تجري، بينما الثانية لم يكن ملحوظًا فيها سوى رقمي الاثنين والخمسة، والثالثة اختصت بالستة والسبعة، لوهلة ظننت أن هذا خداع بصري ما، لابد لكل الخانات أن تحوي كل الأرقام، لكن ما كان يحدث غير ذلك، لاحظت الأرقام لكي أشتت انتباهي عن كل الأفكار التي لها علاقة بأي زمن سوى اللحظة الراهنة، تلك التي انغمست فيها بعد تسلمي المهمة الأخيرة التي عدت بعدها للسكن، متعبة نعم، لكن راضية، ومستمتعة بالتجربة لأقصى حد، مستمتعة بحديثي مع الفتيا على اختلافي واختلافهن، لن أنكر أن أحيانًا تسوء الأمور لسبب أو لآخر حين أظهرت أسوا ما يمكن ان يكون في إنسان لفتاتين لا ذنب لهما لى الاطلاق سوى أنهما تعاملا معي في الوقت الخطأ، في وقت لم أكن أريد فيه حتى الحديث مع نفسي! لاأبرر ما حدث، بقدر ما استأت أنه حدث، والحمد لله أنهما قبلتا اعتذاراتي اللاحقة عن سوء تصرفي!
وكما ترى يمكن ان أجلس وأحكي لك الكثير بالفعل، وقد يستغرقني الحكي سنة كاملة ولن امل، لكن النوم يناديني..
دم بخير..
اسعد قلبك!

ليست هناك تعليقات: