الخميس، يوليو 05، 2018

حياة البحر

-1-
رفق / رفقة
الأمواج أذرع مفتوحة تضمني
تهدهد روحي
تطمئن قلبي
ألا تخافي ولا تحزني
فالقادم أحلى



-2-
ثقة
الشمس أحمى قليلا
الموج أشد بلا بطش
الصخور تعيق / تعانق
البحر يذكرني بالحياة وتقلبها
تحديات تأتي وتروح
والناجي من يثق في عدالة النهاية
أشرب الكثير من الملح 
لكنني لا أتراجع،
أركب الأمواج
غير هيابة
يذيب الملح وجع الماضي
وأثق أن القادم أحلى



-3-
وداعة
الشمس اليوم أحنى
لا موج يذكر
الماء أعذب
أطفو
 تحملني المياه / تتحملني دون عناء
السماء صافية
والجو رائق
أدعو الله ولا شك في الإجابة
أنا والسماء موصولة / واصلة في مرآة البحر

الأحد، يوليو 01، 2018

حكاية الجنية

متى بدأت الحكاية مع الجنية؟
هذا سؤال لا تسعفني ذاكرتي السمكة على إجابته، كل ما أعرف أننا اعتدنا التصييف في مطروح منذ طفولتنا، ارتدنا شواطئ أخرى بالطبع كفايد، رأس البر، برج العرب على سبيل المثال، لكن جنية مطروح ظلت تدعونا كل حين لزيارتها، وهكذا عدنا هذا العام لتلبية ندائها، قضيت أغلب يومي الأول نائمة، كما لو كنت أتخلى عن كل إرهاق القاهرة وضيق طنطا، في اليوم الثاني، قضيت أغلب الوقت في صحبة البحر لحتى اكتسب وجهي حمرة طبيعية، وكذا يدي، وبت أعيد على نفسي أنني سأعود للمدينتين اللتين تركتهما بوجه جديد، وجه لفحته الشمس وأكسبته شيئا من صفاتها: الوهج، ربما أفلسف الأمر أكثر من اللازم، ولكن هكذا أحب أن أفكر، أن أغزل من أصغر الأشياء معان أضفيها على حياتي، فالوجه الجديد يناسب الوظيفة التي أوشك على بدئها وعلى البداية الجديدة، تمامًا كما فعلت قبيل عودتي من أمريكا، حين صبغت شعري للمرة الأولى في حياتي بخصل خضراء، مدعية أنني أعطي نفسي دفعة جديدة (Head Start)، وقد كان، ومنذ شهرين حين اقتنيت العوينات الجديدة، اخترتها واسعة ومبهجة لكي أرى العالم من منظور جديد، وقد كان، تذكرني لفحة الشمس بذكرى بعينها من الطفولة هنا بمطروح، لا أبرح البحر في أول أيام المصيف، تحرقني الشمس ولا أبالي حتى اليوم الثاني، أستيقظ وعيوني وارمة لحتى لا أستطيع فتحها، نعود الطبيب الذي ينبئنا أن لدي حساسية من الشمس، وأن الحل الوحيد ألا أرى الشمس بتاتًا ولا أسبح في البحر اللهم إلا ساعة واحدة قبيل الغروب، وأوصاني بإرتداء عوينات حاجبة للشمس، وكنت لم أتجاوز العاشرة بعد، وربما لهذا السبب لم أرتد هذا النوع من العوينات إلا منذ سنوات قريبة، وأوصاني أيضا بقطرة، وكانت أول مرة في حياتي أضطر لاستخدامها، وكنت أخشى دخول القطرة في عيوني، هذا ناهيك عن أني عيوني لم تكن تفتح أساسًا، كنت أتعذب وقتها، فالجميع يستمتعون بالبحر ولا أحظى منه سوى بساعة واحدة، وهي أشدها زحامًا، اليوم كان مختلفًا جدًا، هو شاطئ مختلف عن شاطئ الطفولة، المياه ضحلة جدًا، ظللت أسير قرابة عشر دقائق ولم تتخط المياه كتفي، ونظرًا لطولي فإن هذا لو تعلمون عظيم، لأول مرة أشعر بأنني أوغلت في البحر دون أوغل، شعرت بانتصار ما، ليس على مهارة عندي، شعرت بالأمان، فالمياه هنا أقرب للبحيرة منها للبحر، صافية، ضحلة، مالحة، لكنها ليست كبحيرة أونتاريو، لم أسبح في أونتاريو، تلك الشبيهة ببحر الإسكندرية، كلما عدتها، تذكرت الإسكندرية وشعرت أنني في وطني، أنا الآن هنا في وطني، أقضى إجازة قصيرة محببة مع العائلة، تخبرني أمي أنني أسبح كالكلاب، أبتسم، فهذا ما كنت أقوله في الغربة إذا سألني أحدهم إن كنت أسبح، وقد كان حين ذهبت للتجديف، أتذكر سيلفا، كنا تكلمنا عن الأمر، في أول مرة أجدف فيها في حياتي، كنا على ذات القارب، بينما براء وزين على القارب الآخر، نحاول ضبط إيقاعنا واتجاهنا، كم ضحك منا براء وزين، وكيف لا وقد كنا نتحرك بعشوائية شديدة، أبتسم لأمي بينما كل ذلك يجول بخاطري، وأدرك لوهلة أنني تصالحت أخيرًا مع الكلاب، لم أعد أهابها كما في الماضي، هل استخدام تشبيه سباحتي بهم سبب في ذلك أم تعاملي معهم مؤخرا؟ لا أدري وليس هذا مهما، المهم أنني متصالحة مع تلك الكائنات اللطيفة. 

والبحر يحب المزاح، وأخي يحب المزاح، ولا يتفوه بشيء إلا على سبيل السخرية، يقول لي: كم أفسد البشر البحر بتلك الألعاب المائية والموسيقى العجيبة، أضحك منه، لأن حرفيًا الشاطئ لنا وحدنا، لا أحد سوى من الناحية الأخرى البعيدة، يقول لي مازحًا: يستاهلوا السيسي، أفكر برهة قبيل أن أدندن: مايستهلوشي، ونضحك، أخبره أنني أشعر بخفة في المياه، كما لو كانت المياه قد حملت كل ثقل جسدي، كل هواجسي، كل مخاوفي، أدرك كم تغيرت كثيرًا، لا أهاب البحر، لا أهاب الكثير من الكائنات:الكلاب والقطط كأمثلة، لا أهاب البشر، لا أهاب الوحدة، وأستمتع بالحياة.
والآن أتساءل كيف تكتمل حكاية الجنية؟

الأحد، يونيو 17، 2018

أضغاث أحلام 6

أجري وألتفت ورائي كي ألمح الخاطف، لا أراه، لكنني أرى السيارة الصفراء مسرعة، وهو يزمجر في غضب لهربي، أو ربما لأنني دفعته وأنا أهرب قائلة: لن تستطيع اللحاق بي بسبب سنك، أجري وأجد سيارة واحدة في الشارع الهادئ، أستنجد سائقها أن يوصلني للمنزل، فأنا مخطوفة، أستريب منه، وأكمل الهرب، لا ألمح السيارة الخاطفة خلفي. أستيقظ لاهثة ومنزعجة، قلبي يتملكه الخوف، أحاول تهدئتي، أتذكر أنني في الحلم/الكابوس كنت في الثانوية العامة، ذاهبة إلي درس الأحياء، ومعي زميلتان، والخاطف سائق يوصلنا، رجل عجوز نأمنه ونعرفه، وأنا الوحيدة التي تركت أغراضي في السيارة،  وقررت الهرب بينما هو يشرب سيجارة وينتظر أمرا ما، تقفز الأسئلة في رأسي: من هو الرجل العجوز؟ ومن الزميلتان؟ ولماذا لم تهربان؟ ولماذا يتملك الخوف نياط قلبي منذ أمس؟ 
 أحاول تهدئتي بينما أحتسي الشاي بلبن، وأغني: أغنية الخطف الشهيرة لحماقي من فيلم جعلتني مجرما، لا أجد الأمر مضحكا، فوعيي يخبرني أنني لو حدث وخطفت وغنيت الأغنية فأنا مصابة بمتلازمة ستوكهولم. 

أنا أخاف أحلامي أن تتحقق!

الثلاثاء، أبريل 03، 2018

The lobster

لسبب غير مفهوم، لم أرد أن أغادر المنزل أمس، وحتى ترتيب العمل الوحيد تأجل، كنت على أهبة الاستعداد للخروج ومواجهة العالم، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، أقرر أن آخذ قيلولة حتى ولو تخطى الوقت العصر، أغفو وحين أستيقظ تعلن نتيجة الانتخابات، أعرف أنني لا أريد أن أتابع، أقرر أنني سأقرأ شيئا ما حتى يصل أهلي،لا أملك في القاهرة تشكيلة كبيرة من الكتب لأحتار:
 لا لن أكمل الآن الكتاب الذي بدأته عن الفقر،
 ولا قصة reddit
تطل يوتوبيا على الرف وقد أهدتنيها أميرة ونسيت ذلك تماما،
أعرف أن قرائتها ستعكر مزاجي وتدخلني في نوبة اكتئاب أكيدة
أقرر في نهاية المطاف أن أكمل الكتاب الذي بدأته منذ عدة أيام، فالترجمة رشيقة على كل حال.
أقرأ فيها قليلا حتى يصل أهلي، نجلس معا قليلا قبل أن يقترح أخي أن نشاهد فيلما ما، بعد حلقة the big bang theory، 
نمر على لائحة الأفلام على جهازه، يسألني: ما اسم الفيلم الذي أردتي مشاهدته؟ أشير على The lobster
أسأله هل تعرف ما هو؟ انه السلطعون، أشهر أطعمة بوسطن، لم أتناوله هناك، فلم نكن جوعى حين مررنا بسوق كوينسي،
لا أعرف القصة، ولم أشاهد إعلان الفيلم، لكن أميرة رشحت لي الفيلم بعد أن أهدتني الكتاب في آخر لقاء لنا بالقاهرة، كنا في المترو حين فعلت، أذكر جيدا ما قالته، رشحت الفيلم لأنه مختلف، ولأنها تعرف أنني أحب الأفلام التي تطرح فكرة جديدة أو تسائلا، مع بداية مشاهدتي الفيلم، قررت أنني سأخبرها أنني أفعل، أتصل بالانترنت، لأجدها تسبقني برسالة تنعى فيها أحمد خالد توفيق، لا أصدق ولا أخبرها عن الفيلم حتى أتأكد، فالخبر ذاع، أخبرها عن الفيلم، وأتابعه بمرارة، يخبر البطل عن أنه يختار أن يكون سلطعونا في حال فشل في إيجاد شريكة له، تسأله صاحبة النزل عن السبب، يجيب ببساطة: السلطعون يعيش مديدا لحتى يبلغ مائة عام، وأنه يظل خصبا طوال فترة حياته، هذا ناهيك عن أنه من ذوات الدم الأزرق، فهو ارستقراطي وطبعا يعيش في البحر، لحظتها انبهرت باختياره كما انبهرت صاحبة النزل قائلة: اختيار موفق، فأغلب الناس يفضلون أن يكونوا كلابا، الآن وأنا أنقر هذه الكلمات أذكر الآن أنني منذ عام كتبت التالي:
ساعتها كنت ماشية مزأططة
بحضن السما
بعينين مفتوحين
وبرقص فالس مع أمواج البحر
محدش كان شايفني
ولا حتى حد كان سامع الموسيقى
اللي كنت بسمعها
يومها قررت أكون سعيدة
كنت حرة وبرفرف
يمكن الاحساس مادامش كتير
بس جايز ساعتها
كنت عصفورة
طايرة من الفرحة وبزقزق
دلوقتي أنا فاكرة كويس
إني قبلها كنت فيل
بيدب ع الأرض بقوة
مش لأنه تقيل
بس لأنه شايل هموم الكون
فوق كتافه
مش مستسلم
ومش عدواني
بس مستعد يخوض أي معركة
بس عشان يزيح هم
من همومه من فوق كتافه
وقبلها أنا كنت شجرة فل
بتزهر وتهدي وردها
لأي حد مهموم
كأن ريحة الفل سحر
يطير أي هم
روحي بتنسخ نفسها في كل لحظة شكل
بس النهاردة أنا نهر
مش عارف يجري في أي أرض
بس بيحفر طريقه
مش مهم أي اتجاه
هيمشي

طول ما على جنابه هيكبر زرع

والآن أعرف أنني لا أحب قصة الفيلم، لأنها لا تختلف كثيرا عن يوتوبيا، هي قصة عن الديستوبيا، ديستوبيا من نوع آخر، حيث لا يكون مسموحا لأحد أن يعيش وحيدا، ومن يفعل يتحول إلي حيوان من اختياره، فالفرضية أن في عالم الحيوان، لا حيوان يعيش وحيدا، أما المتمردون فيعيشون فراداى ويمتنع عليهم الارتباط، فهم يعيشون في ديستوبيا من نوع آخر، والمفارقة أن الجميع يتعاملون مع حالتهم أنها يوتوبيا مثالية، ومن يقرر أن يعيش بشكل مختلف يعاقب من الجماعة التي يعيش وسطها، الآن كمثلي تدركون سخرية الموقف الذي أدركته حين ذهبت للنوم، لقد هربت من قراءة يوتوبيا إلى مشاهدة ذا لوبستر، لكن ما آلمني حقا، أنني خذلت صاحب يوتوبيا ربما في لحظة كان علي أن أتمسك به أكثر، ربما لو كنت قرأت الكتاب للمرة الثانية لكان تمسك بالحياة لفترة إضافية، فكرة ساذجة، أعرف، وربما تغمغمون الآن: يا لها من فكرة مجنونة، لكن أرى الآن الاحتمال قائما، ربما لو كنت قرأت شيئا من الكتاب، لكنت فكرت في إحدى التفاصيل، وأردت إجابة ما عليه، وربما أيضا اتصلت معه بالتليباثي، ولو أنني ذكية كما أدعي، لكان السؤال سيكون وجيها ليجعله يتمسك بالحياة أطول، لا ليجيب سؤالي التافه، بل ليغمرني بلطفه ووداعته بإجابة بسيطة وربما بدعابة بسيطة يمسح كل الضيق الذي يعتريني، وإن كانت المزحة سوداوية، لكن لربما أنا خذلته قبل ذلك بكثير، حين لم أكتب حتى مسودة البريد الالكتروني التي تحمل عنوانه، تلك التي تكمن في صندوقي منذ سنوات، تحديدا منذ صدور كتابي مع صديقتي: صباح ومسا. لم أرد أن أسعى ل validation،و لا أعرف كيف أترجم هذه الكلمة، منه، لذلك لم أرسل لا الكتاب ولا الرسالة. أنا لا أحمل نفسي فوق طاقتها، لكن ربما ألومني على عدم اتصالي بأكثر الأشخاص وداعة وحنكة، ربما هو الندم.

ورغم كل هذا لا يمكنني أن أغفل كل الرمزية التي تحوم حول رحيله، أن يتوفى في ذكرى توقف قلبه الأولى عن العمل، مؤكدا فرضية السيزيفية التي أؤمن بشكل كبير بصحتها، وهي أن أحداث حياتنا تتكرر وتتناسخ، ونخضع لذات التجارب والخبرات بطريقة أو بأخرى وربما نعيش نفس النسخة من القصة ما لم نسع جاهدين لتغيير كيف نتفاعل مع ما يحدث، الرؤية الآن أوضح لي. ونعم، يمكننا النظر للموقف برمته برومانسية شديدة: هو لم يحتمل المزيد من الهراء في هذا العالم، فتوقف قلبه عن العمل ورحل، بكل هذه البساطة. لكن ستبقى ذكراه، وما يمثله خالدًا كاسمه الذي له منه أكثر من نصيب!

الأحد، ديسمبر 31، 2017

عزيزي الله 5

عزيزي الله:
أنا ممتنة امتنان عميق لا متناهي لمحبتك الغامرة، لم أكن يوما أكثر إدراكا لهذه الحقيقة كهذه الأيام، أنا ممتنة لكل البشر الجميلة الذين أقابلهم في رحلتي، كما قلت سابقا، هم طيبون وأخلاقيون ورائعون وداعمون.

أنا ممتنة لأنك تبعث لي بمن يبهجون أيامي السيئة، في الأيام الماضية لم أبت ليلة واحدة حزينة، دوما كان هنالك من يظهر من العدم ليرسم ابتسامة على محياي بينما أنا في سريري بالفعل، لا يغمض جفني قبيل أن أجد أحدهم يشاركني بأخبار مفرحة، أنا ممتنة لأنهم يفعلون ذلك حين أحتاجه تماما ودون أن أخبرهم أنني أحتاج أخبارا مفرحة، بل وقد يكون التواصل بيننا مقطوعا لأشهر، ثم الأخبار السعيدة، ليس من السهل على البشر أن يشاركوا أخبارهم المفرحة سوى مع من يكنون لهم محبة حقيقية، أنا ممتنة للمحبة التي اكتشفتها مؤخرا، محبتك ومحبتهم، لم يحدث هذا مرة واحدة، بل ثلاث مرات مختلفة ومع أربعة أشخاص من ثقافات وبلدان مختلفة، أنا ممتنة لمحبة البشر غير المشروطة بدين أو عرق أو لغة أو طبقة اجتماعية، أنا ممتنة.

أنا ممتنة لكل الفرص التي تضعها في طريقي، وكيف تطمئني أن أسلك طرقا لم تخطر لي على بال، ممتنة لأنك تمهد نفسي وتؤهلها لكل هذه الفرص.

أنا ممتنة لأنني لست في حاجة لأنمق كلماتي لك، أنت تعرف شعوري يا الله، تعرف أنني ممتنة لأن نهاية هذا العام قضيتها مع صديقتي العزيزة تحت المطر، ونحن ندعوك ونذكرك.

أنا أحبك يا الله!

الأحد، ديسمبر 24، 2017

أكبر من الأوضة*

منذ عدة أيام، أستيقظ وأنا سعيدة ونشيطة لسبب غير مفهوم، خاصة وأن الليلة السابقة كانت أسوأ ليلة مررت بها منذ حين، فقط لأن يومي لم يسر كما خططت له، كما أن شيء من المرض تسرب إلى معدتي، وهو ليس بغريب خاصة أنني آكل بالخارج أغلب الوقت، كنت على حافة اكتئاب، فلا شيء يقهرني سوى تقريع ذاتي معززًا بألم جسدي، وهكذا قررت في ذلك الصباح الباكر جدا، أن أستمع لموسيقى ما تحمسني، لم أفكر مرتين، كانت أغنيات ألبوم يسرا الهواري هي اختياري، وكانت خلفية يومي السابق في العمل، لم أول كلمات أغانيها كثير من الاهتمام حتى ذلك الصباح، وجدتها تقول لي:

"الدنيا أكبر من الأوضة اللي مش عارفة أخرج منها
"واللي مزاجي الليلة سامح أو حالف إني ما أعتبها
أسأل نفسي هل تتحدث عني؟
ثم أدرك أنها ربما تفعل ذلك، فأجد نفسي في موقف أريد تغييره، أجد لبنى ترشح مشاهدة فيلم عن الجسد والروح لصديقة، أتطفل على المحادثة وأقترح أنني سأذهب وفقط لو فعلت وذهبت، توافق، فأعرف أن خطتي للهروب ربما تنجح في هذا اليوم، الذي لم أقدر سوى أن أكتب قائمة طويلة بمهام لم أفعل منها أي شيء، ففور أن انتهيت من كتابة القائمة، قررت أنني أستحق أن أستريح، فما الذي أيقظني في السادسة، وما الذي جعلني صمدت للعاشرة صباحا، آه انه المرض، وهو سبب أوجه للنوم، ربما لساعتين أو أكثر، ثم ربما أذهب أقضي مصلحة ما في المعادي، وأودع الصديقة التي اضطرتها الظروف أن تؤانس ليلتي تلك، أنا ممتنة لأنها فوتت القطار تلك الليلة عرضا، لم أكن لأصمد وحدي في ليلة مماثلة.


الدنيا أجدع من الواد اللي أنا نفسي أشوفه ساعات"
بس أهي حاجة من المستحيلات وعايزة لها خطة مدروسة
وأنا عارفة"

أغفو وأستيقظ فجأة عند الظهيرة، لازالت معدتي تؤلمني طفيفا، أدرك الوجود، أدرك أنني لابد أن آكل شيئا ما، وأستعد للخروج، لكن أكتشف أني مصلحتي لابد أن تؤجل وهكذا أقضي قليلا من الوقت مع الصديقة التي تتركني وحدي لأستريح، أعود لسريري شاكرة وجودها، وأفكر ماذا لو مررت بليلة أخرى مماثلة وحدي؟ ماذا لو لم يكن هنالك سند؟ أو على الأحرى هل سيصير لدي سند؟ يباغتني السؤال وأفكر، ثم لا أكترث، لا أحب أن أخوض التجارب فقط لشعور عابر بالوحدة، ولن ألتفت للماضي، ولست ممن يخططن للمستقبل كما تفعل الفتيات عادة.  لكنني متفائلة.


"الدنيا أكبر
الدنيا أحلى
الدنيا أفظع
الدنيا أروع
الدنيا أكبر
الدنيا أحلى
الدنيا أسرع
الدنيا أوسع
الدنيا فيها وفيها وفيها
الدنيا فيها اللي مكفيها
بس أنا حالفة لأمشيها بدماغي وأبقى قد القول"

فلنقل أنني يومها لم أرد أن أفكر في أي شيء يخص العمل والمشاريع الكثيرة القائمة، قررت أن أقرأ قليلًا وفاجأني كازانتزاكس الذي كان اختياري لحظتها بقوله:
"ثلاثة أنواع من الأرواح، ثلاثة صلوات:
أنا قوس بين يديك يا إلهي، فشدني لئلا أتفسخ
لا تشدني كثيرا يا إلهي لئلا أتحطم
شدني كثيرا يا إلهي فمن سيهتم لتحطمي"
أفكر في الثلاثة أنواع من الأرواح وأتسائل أيها أنا، لوهلة تعجبني الروح الأولى، لكن أدرك أن هذه الروح تطلب من الله أقل القليل: أن يكون لها جدوى، فأجزم أنني ربما الثانية، لكنني لست بتلك الهشاشة، فأنا الثالثة إذن، مم، لا تعجبني فكرة أن أحدا لن يهتم لتحطمي، أنا بين الثانية والثالثة، فأنا قوية هشة تماما كطبقة الجليد الرهيفة التي تبدو صلبة بما يكفي لتتحمل وزن طائر دوري أو بطة برية، والتي ستتهشم لتكشف هشاشتها إذا توقف عليها كائن أثقل، وربما أنا أفتقد الجليد.

"الدنيا أبسط من ساعات بتضيع بفكر إزاي لبسي هيخبيني
الدنيا أعقل من اللي قادر إنه يعاكسني واللي مايقدرش يبص في عيني
الدنيا أعقد من شفت مين وشافني فين واللي فاكرينه عني التانيين
وأنا مش خايفة"

أدرك أنه ليس أمامي الكثير من الوقت على موعد ملاقاتي للبنى، فأتفقد ملابسي وأقضي وقتا طويلا في تخير ما ألبس، ليس لشيء سوى أنني لا أعرف كيف هو الطقس، الجو غائم، فهل يعني هذا برودة؟ أفكر أنني سأرتدي قميصا وفوقه بلوفر وفي حقيبتي سأحمل واقي المطر. لا يستغرق الطريق طويلا، وأتجاهل كل الأعين الفضولية.

" الدنيا أكبر
الدنيا أحلى
الدنيا أفظع
الدنيا أروع
الدنيا أكبر
الدنيا أحلى
الدنيا أصيع
الدنيا أوسع
الدنيا فيها وفيها وفيها
الدنيا فيها اللي مكفيها
بس أنا حالفة لأمشيها بدماغي وأبقى قد القول"
أقابل لبنى ونقضى الساعة قبيله نتحدث، أخبرها عن الألبوم، نتشارك أغانينا المفضلة منه و
أشاهد الفيلم الجميل، كنت مبهورة بالفكرة والأداء، التفاصيل الدقيقة، العادية، العميقة، الصادمة، الرقيقة، تبكيني البطلة وهي تقطع شرايينها، وتضحكني حين تلصق معصمها بالشريط اللاصق مخبرة حبيبها أن عليها أن تقوم بشيء سريع قبيل المرور عليه، ولم تذكر أن هذا الشيء هو المرور على المشفى. نهاية سعيدة غير متوقعة. لكن يمكن تصديقها.

الدنيا أطول من الساعة اللي لازم أروح فيها"
الدنيا أهم من إني أثبت لك
الدنيا أقصر من إني أشرح لك
الدنيا فيها وفيها وفيها
الدنيا فيها اللي مكفيها"
نتناول شيئا من الفطير كما اقترحت غادة، آكل ببطء، لأن معدتي لازالت متوعكة، وبعدها غادرنا وكان الوقت قد تأخر بالفعل، فأستقل المترو وأفاجئ بتقاطر الرجال على عربة السيدات الوحيدة في تلك الساعة، كانت لحظتها يسرا تغني في أذني "بس كله يهون"، ألتفت لجمعهم وأقول: هذه عربة السيدات، من فضلكم انزلوا المحطة القادمة" لا أجد استجابة منهم، وحين دخولها، كررت عليهم القول، فانسلوا خارجين جميعهم، وبدأت السيدات في التعليق على الحدث لحظتها، بينما أنا أغمغم لذاتي: الدنيا أكبر من الأوضة بالفعل!

* أغنية من ألبوم يسرا الهواري " نقوم ناسيين"

الثلاثاء، نوفمبر 07، 2017

A message in a bottle 10

هذه الرسالة موجهة إلي:"
في بداية العام الماضي قررت ألا أكتب الرسالة السنوية إلا لي، بدأتها، ونقرت الكثير فيها ثم التهيت بأمور أخرى، ولم أكتب بعدها شيئا من الرسائل سوى لأصدقائي، وهجرتني الكلمات، ليس لشيء سوى علمها أنني لم أصلح وعاء ينقلها لآخرين، وربما هي تصالحني الآن شيئا فشيئا، وربما هي تعرف أنها لن تؤلمني ولن أؤلمها بعد. وهكذا أعود فأكتب لذاتي، لأذكرها بكل ما كان في ذلك العام المنصرم.
أذكر اكتئابي العام الماضي طيلة يناير وفبراير، بداية كنت أقرأ رسائل الخروج التي آلمتني وشرذمت أي لمحة أمل في مستقبل أفضل،  انتابتني الكثير من الأسئلة الوجودية حول جدوى كل شيء، كانت حالتي تسوء كل يوم عن سابقه، لحتى ذهبت للعيادة النفسية بالجامعة، سألتني الممرضة إن كانت تنتابني أي أفكار انتحارية، نفيت الأمر، فحددت لي موعدًا بعد أسبوع كامل، أسبوع قضيته في مناجاة ذاتي حتى تحسنت قبيل الموعد وذهبت على كل حال، واستمعت لي السيدة طويلا، لم أقل لها الكثير، لم يكن هنالك ما أقوله على أي حال، كنت قد استأنفت الدراسة، وعاد زملائي من أجازتهم، لم أشعر أنني أود الحديث مع أحد، انتبذت منهم مسافة، لكن هذا لم يمنعهم من تحيتي وسؤالي عن أجازتي، وبالطبع كذبت، أخبرتهم عن سفرتي القصيرة لمدينة نيويورك، وأنها كانت صاخبة وأنني لم أحبها رغم أنني لم أذهب وحدي. وتجنبت الحديث عن بقية الوقت الذي قضيته في القراءة ومتابعة تساقط الجليد من الشرفة. قضيت أربعة أشهر في إنهاك واكتئاب شديد، ليس لشيء سوى لحلول موسم الشتاء، طبقة سميكة من الجليد الأبيض تغطي كل شيء، هذه الطبقة تجعل مجرد فتح عيني بطولة لابد من مكافأتها، فلطالما تعثر علي حضور محاضرة التاسعة صباحا، بل وتعثر أيضا مغادرة الفراش دون اضطرار حقيقي. كنت أتمنى كل صباح أن أرى ضوء الشمس حتى لو كانت درجة الحرارة أقل من ١٠ تحت الصفر، فلقد تعلمت أن أرتدي الملابس الملائمة والتي تجعلني أبدو كدب قطبي خاصة مع الجاكيت الذي تعمدت أن يكون أكبر من حجمي لأتمكن من ارتداء جاكيت آخر تحته. والحمد لله لم يعد البرد عائقا، لكنني أتمنى ألا أمر بتجربة الاكتئاب الموسمي في الشتاء مرة أخرى! لم أحك أي من هذا لعائلتي، فما يسعني إخبارهم وما عساهم يفعلون لي؟ في الغربة تتعلم أن تصمت، أن تحتفظ بقصتك لذاتك، أن تكرر حمد الله على نعمه، أن تبتسم في الصور وتكذب حتى لا يقلق عليك ذويك، أن تدفن شعورك وإن بدا عليك أي شيء تتذرع بضغط الواجبات، ولا كذب في ذلك، فكل شيء هنا منضبط، كل شيء حتى شعورك الشخصي!"

كتبت هذه الكلمات هنا منذ عام، أي أنه قد مر عامان على الأحداث المذكورة، اختبرت بعدها الكثير، عرفت مثلا كيف أن الله يحبني ويحيطني دومًا بأجمل البشر، لا أعرف متى أقابلهم ولا كيف، فقط يحيلون كل أيامي سعادة، لأسباب عديدة أبسطها أنهم رائعون، كل على طريقته، ولأنهم يهتمون، ولأنهم مفعمون بالشغف، ولأنهم أخلاقيون، وأفتقد من يفصلني عنهم الآن آلاف ،الأميال كسارة، إيمان، عيسى، زين، محمد، هيا، مي، معاذ، عبدالرحمن، يانا، كاتيا، أفرديتا، فرانجيس، وتطول القائمة وأعرف أن كثيرين منهم لن يستطيعوا قراءة هذه الكلمات، ولكن هذا لا يعني ألا أعبر عن امتناني الشخصي لهم، وهنالك آخرون أقرب جغرافيا كسيلفا، سما، علياء، منار، علا، لبنى وتطول القائمة لتضم الكثير من البشر، أميرة، ماري، ياإلهي، القائمة طويلة فعلا، أنا ممتنة لكل من قابلتهم الشهور الماضية هنا في مصر، كلهم ملهمون ولو أنني لم أقض الكثير من الوقت حولهم، منهم من حادثتهم قليلا، لكن قصصهم تعيد تدوير الأمل في غد أفضل، حماسهم وشغفهم يجعلني دوما في حالة انتشاء، ومنهم من عملت معهم لوقت قصير، ومنهم من أعمل معهم حاليا، أنت ممتنة يا الله على كل البشر الجميلة الذين قابلتهم وأقابلهم. أنا ممتنة لعائلتي ولأصدقائي لأنهم يتفهمون.

لازلت أؤمن أن الحياة ملغزة وأنها تفاجئني كل يوم بسيزيفيتها، اليوم مثلا دليل على ذلك، واعدت صديقتاي على الإفطار، ذهبت في الموعد ولم يحضر أحدا، وهذا ليس بجديد، لم يضايقني الموقف بل كنت مستعدة بكتابي الذي بدأته الأيام الماضية على مهل، فاجأتني رضوى بحديثها عن كامبريدج، وزيارتها لهارفرد، وسبب تسمية هارفرد بهذا الإسم، وكيف أن المرشدة السياحية قالت لهم أن فرك حذاء تمثال هارفرد تجلب الحظ، وأنها تجد الأمر خرافة غير قابلة للتصديق، وإلا لأصبح حالنا غير حالنا، تذكرت حينها أنني زرت التمثال وأنني فركت الحذاء بناء على توصية من أصدقائى، تذكرت اليوم واللحظة، لحتى تذكرت ما كنت أرتدي في ذلك اليوم، كنت أرتدي بلوفر لبني فاتح ابتعته في اليوم السابق من بوسطن، ولم أستطع صبرًا عليه فارتديته خاصة وأنه كانت بحوذتي بنطال وحجاب يلائمانه، هل كانت صدفة أنني ارتديت هذا البلوفر اليوم؟ اليوم قررت صباحا أن أبدأ بارتداء ملابس أثقل، ولم أفكر مرتين، أخرجته من دولابي، كويته، وارتديت ملابس تلائمه، ليست ذات التي ارتديتها في هارفرد، فكل قطعة الآن في مكان، فالبنطال هجرته في مطار روشستر منذ أشهر بسبب الوزن الزائد، الحجاب في القاهرة حيث تركته مع ملابس تلائمه للزيارة القادمة، فاليوم إذن أقرأ عن هارفرد وعن ما يجلبه فرك حذاء التمثال من حظ، وأنا أرتدي ذات البلوفر كقطعة رئيسية يتمحور حولها البقية.

اليوم أيضا تذكرت داليا كثيرا، أنا أفتقدها وأشعر بالذنب تجاهها، كان بودي أن يرى أنطونيو الحياة، كان بودي لو حضرت ولادته في مارس كما وعدتها، لكنني لم أكن هناك، لأنها غادرت هذا الكوكب منذ عام، بينما أنا أستريح من رحلة بنسلفانيا -واشنطن التي قمت بها مع صديقتاي، كانت هي قد غادرت في صمت مفاجئ، كانت قبلها بيومين متفاجئة بوجودي في بنسلفانيا وأنني لم أزرها، حقيقة هي كانت في الجهة الأبعد من الولاية ولم يمر طريقنا حولها، لكنني لم أنفك ألوم نفسي أنني لم أزرها، لربما أقنعتها أن تغادر، لربما لم تكن قد حدثت المأساة، لكنه مقدر، لم أستطع ألا أتذكرها اليوم وأنا أسمع دقات قلب جنين صديقتي، كادت أن تفلت مني دمعة من الفرحة ومن الحزن معًا، تذكرتك يا داليا وتذكرت أنطونيو، وتذكرت كيف أن الموت والحياة ملتحمان دومًا، وهما يحومان حولي طوال الوقت، كي لا أنسى الحقيقة، وربما لأعيش الحياة دون تأجيل السعادة.  فلطالما ألزمت نفسي أن أكون شخصا مسئولا. لا يهم عن ماذا تحديدا بقدر أن أنشغل بحق ما دون الباطل. وفي سبيل ذلك أنكر سعادتي الشخصية. الآن صرت أرى الأمور بمعايير أخرى، فلقد تغيرت قليلا لكن بشكل جوهري. لم تعد تضايقني السيزيفية في كل ذلك، لم تعد تعذبني، لأنني كنت أحاول فهم الحكمة وراءها وما كنت يوما أقرب، أنا الآن موقنة بحكمة الحلاج التي نقلها صلاح عبد الصبور في قوله: لا تبغ الفهم، أشعر وحس!

عزيزتي نفسي: لن أؤلمك هذا العام بجلد الذات، ولن أقرعك بالتأنيب، لأن أيا من ذلك لا يجدي، أنا أثق في حدسك، وأحترم اختياراتك، وأعطيك المجال لكل ما تتطلعين إليه. السماء حدودك والسعادة حتما نصيبك.

تصبحين على عالم أفضل!